فصل: تفسير الآيات رقم (18- 24)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الخازن المسمى بـ «لباب التأويل في معاني التنزيل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ‏(‏27‏)‏ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ‏(‏28‏)‏ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏وقال موسى‏}‏ يعني لما توعده فرعون بالقتل ‏{‏إني عذت بربي وربكم‏}‏ يعني أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يأت في دفع الشدة إلا بأن استعاذ بالله واعتمد عليه فلا جرم أن صانه الله عن كل بلية ‏{‏من كل متكبر‏}‏ أي متعظم عن الإيمان ‏{‏لا يؤمن بيوم الحساب‏}‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه‏}‏ قيل كان ابن عم فرعون وقيل كان من القبط وقيل كان من بني إسرائيل، فعلى هذا يكون معنى الآية وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وكان اسم هذا المؤمن حزبيل عند ابن عباس وأكثر العلماء وقال إسحاق كان اسمه جبريل وقيل حبيب ‏{‏أتقتلون رجلاً أن يقول‏}‏ أي لأن يقول ‏{‏ربي الله‏}‏ وهذا استفهام إنكار وهو إشارة إلى التوحيد وقوله ‏{‏وقد جاءكم بالبينات من ربكم‏}‏ فيه إشارة إلى تقرير نبوته بإظهار المعجزة والمعنى وقد جاءكم بما يدل على صدقه ‏{‏وإن يك كاذباً فعليه كذبه‏}‏ أي لا يضركم ذلك إنما يعود وبال كذبه عليه ‏{‏وإن يك صادقاً‏}‏ أي فكذبتموه ‏{‏يصبكم بعض الذي يعدكم‏}‏ قيل معناه يصبكم الذي يعدكم إن قتلتموه وهو صادق، وقيل بعض على أصلها ومعناه كأنه قاله على طريق الاحتجاج أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفيه هلاككم فذكر البعض ليوجب الكل ‏{‏إن الله لا يهدي‏}‏ يعني إلى دينه ‏{‏من هو مسرف كذاب‏}‏ أي على الله تعالى ‏(‏خ‏)‏ عن عروة بن الزبير قال‏:‏ سالت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ‏{‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض‏}‏ يعني غالبين في الأرض أي أرض مصر ‏{‏فمن ينصرنا‏}‏ يعني يمنعنا ‏{‏من بأس الله إن جاءنا‏}‏ والمعنى لكم الملك فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله تعالى إن حل بكم ‏{‏قال فرعون ما أريكم‏}‏ أي من الرأي والنصيحة ‏{‏إلا ما أرى‏}‏ يعني لنفسي ‏{‏وما أهديكم إلا سبيل الرشاد‏}‏ أي ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى ثم حكى الله تعالى أن مؤمن آل فرعون رد على فرعون هذا الكلام وخوفه أن يحل به ما حل بالأمم قبله

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 34‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ‏(‏30‏)‏ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ‏(‏31‏)‏ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ‏(‏32‏)‏ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ‏(‏33‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم‏}‏ يعني مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب ‏{‏وما الله يريد ظلماً للعباد‏}‏ يعني لا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم ‏{‏ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد‏}‏ يعني يوم القيامة سمي يوم القيامة يوم التناد لأنه يدعى فيه كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضاً فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة وينادى فيه بالسعادة والشقاوة ألا إن فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً وفلان ابن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً وينادي حين يذبح الموت يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت وقيل ينادي المؤمن هاؤم اقرؤوا كتابيه وينادي الكافر يا ليتني لم أوت كتابيه وقيل يوم التناد يعني يوم التنافر من ند البعير إذا نفر وهرب وذلك أنهم إذا سمعوا زفير النار ندوا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً عليه فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه ‏{‏يوم تولون مدبرين‏}‏ يعني منصرفين عن موقف الحساب إلى النار ‏{‏ما لكم من الله من عاصم‏}‏ يعني يعصمكم من عذابه ‏{‏ومن يضلل الله فما له من هاد‏}‏ يعني يهديه ‏{‏ولقد جاءكم يوسف‏}‏ يعني يوسف بن يعقوب ‏{‏من قبل‏}‏ يعني من قبل موسى ‏{‏بالبينات‏}‏ يعني قوله ‏{‏أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار‏}‏ قيل مكث فيهم يوسف عشرين سنة نبياً وقيل إن فرعون يوسف هو فرعون موسى وقيل هو فرعون آخر ‏{‏فما زلتم في شك مما جاءكم به‏}‏ قال ابن عباس من عبادة الله وحده لا شريك له والمعنى أنهم بقوا شاكين في نبوته لم ينتفعوا بتلك البينات التي جاءهم بها ‏{‏حتى إذا هلك‏}‏ يعني مات ‏{‏قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً‏}‏ يعني أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة وإنما قالوا ذلك على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان عليه بل قالوا ذلك ليكون لهم أساساً في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعده وليس قولهم لن يبعث الله من بعده رسولاً تصديقاً لرسالة يوسف كيف وقد شكوا فيها وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضمون إلى التكذيب لرسالته ‏{‏كذلك يضل الله من هو مسرف‏}‏ يعني في شركه وعصيانه ‏{‏مرتاب‏}‏ يعني في دينه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 40‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ‏(‏35‏)‏ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ‏(‏36‏)‏ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ‏(‏37‏)‏ وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ‏(‏38‏)‏ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ‏(‏39‏)‏ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏الذين يجادلون في آيات الله‏}‏ قيل هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني الذين يجادلون في إبطال آيات الله بالتكذيب ‏{‏بغير سلطان‏}‏ أي بغير حجة وبرهان ‏{‏أتاهم‏}‏ من الله ‏{‏كبر‏}‏ أي ذلك الجدال ‏{‏مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار‏}‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وقال فرعون‏}‏ يعني لوزيره ‏{‏يا هامان ابن لي صرحاً‏}‏ يعني بناء ظاهراً لا يخفى على الناظرين وإن بعد وقد تقدم ذكره في سورة القصص ‏{‏لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات‏}‏ يعني طرقها وأبوابها من سماء إلى سماء ‏{‏فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه‏}‏ يعني موسى ‏{‏كاذباً‏}‏ أي فيما يدعي ويقول إن له رباً غيري ‏{‏وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما صده الله تعالى عن سبيل الهدى وقرئ وصد بالفتح أي وصد فرعون الناس عن السبيل ‏{‏وما كيد فرعون إلا في تباب‏}‏ أي وما كيده في إبطال آيات موسى إلا في خسار وهلاك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد‏}‏ أي طريق الهدى ‏{‏يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع‏}‏ أي متعة ينتفعون بها مدة ثم تنقطع ‏{‏وإن الآخرة هي دار القرار‏}‏ يعني التي لا تزول والمعنى أن الدنيا فانية منقرضة لا منفعة فيها وأن الآخرة باقية دائمة والباقي خير من الفاني، قال بعض العارفين‏:‏ لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً لكانت الآخرة خيراً من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق ‏{‏من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها‏}‏ قيل معناه من عمل الشرك فجزاؤه جهنم خالداً فيها ومن عمل بالمعاصي فجزاؤه العقوبة بقدرها ‏{‏ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب‏}‏ يعني لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير وقيل يصب عليهم الرزق صباً بغير تقتير‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 46‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ‏(‏41‏)‏ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ‏(‏42‏)‏ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ‏(‏43‏)‏ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ‏(‏44‏)‏ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ‏(‏45‏)‏ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار‏}‏ معناه أنا أدعوكم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة من النار وأنتم تدعونني إلى الشرك الذي يوجب النار ثم فسر ذلك فقال ‏{‏تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم‏}‏ أي لا أعلم أن الذي تدعونني إليه إله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكاً للإله الحق؛ ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر والشرك بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بقوله ‏{‏وأنا أدعوكم إلى العزيز‏}‏ أي في انتقامه ممن كفر ‏{‏الغفار‏}‏ أي لذنوب أهل التوحيد ‏{‏لا جرم‏}‏ يعني حقاً ‏{‏أنما تدعونني إليه‏}‏ يعني الصنم ‏{‏ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة‏}‏ يعني ليست له استجابة دعوة لأحد في الدنيا ولا في الآخرة وقيل ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا ولا في الآخرة لأن الأصنام لا تدعي الربوبية ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها ‏{‏وأن مردنا إلى الله‏}‏ يعني مرجعنا إلى الله فيجازي كلاًّ بما يستحقه ‏{‏وأن المسرفين‏}‏ يعني المشركين ‏{‏هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم‏}‏ أي إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم الذكر ‏{‏وأفوض أمري إلى الله‏}‏ أي أرد أمري إلى الله وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم ‏{‏إن الله بصير بالعباد‏}‏ يعني يعلم المحق من المبطل ثم خرج المؤمن من بينهم فطلبوه فلم يقدروا عليه وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوقاه الله سيئات ما مكروا‏}‏ يعني ما أرادوا به من الشر قيل إنه نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام وكان قبطياً ‏{‏وحاق‏}‏ يعني نزل ‏{‏بآل فرعون سوء العذاب‏}‏ يعني الغرق في الدنيا والنار في الآخرة وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏النار يعرضون عليها غدواً وعشياً‏}‏ يعني صباحاً ومساء قال ابن مسعود «أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة» وقيل تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشياً ما دامت الدنيا‏.‏

ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر أعاذنا الله تعالى منه بمنّه وكرمه ‏(‏ق‏)‏ عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حين يبعثك الله تعالى إليه يوم القيامة» ثم أخبر الله تعالى عن مستقرهم يوم القيامة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون‏}‏ أي يقال لهم ادخلوا يا آل فرعون ‏{‏أشد العذاب‏}‏ قال ابن عباس ألوان من العذاب غير الذي كانوا يعذبون بها منذ أغرقوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 52‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ‏(‏47‏)‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ‏(‏48‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ‏(‏49‏)‏ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ‏(‏50‏)‏ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ‏(‏51‏)‏ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ‏(‏52‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ يتحاجون‏}‏ أي واذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون يعني أهل النار ‏{‏في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً‏}‏ أي في الدنيا ‏{‏فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا‏}‏ يعني الرؤساء والقادة ‏{‏إنا كل فيها‏}‏ يعني نحن وأنتم ‏{‏إن الله قد حكم بين العباد‏}‏ أي قضى علينا وعليكم ‏{‏وقال الذين في النار‏}‏ يعني حين اشتد عليهم العذاب ‏{‏لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب قالوا‏}‏ يعني الخزنة ‏{‏أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات‏}‏ يعني لا عذر لكم بعد مجيء الرسل ‏{‏قالوا بلى‏}‏ أي اعترفوا بذلك ‏{‏قالوا فادعوا‏}‏ يعني أنتم إنا لا نَّدعوا لكم لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما دعاء الكافرين إلا في ضلال‏}‏ يعني يبطل ويضل ولا ينفعهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا‏}‏ قال ابن عباس بالغلبة والقهر، وقيل بالحجة وقيل بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة وكل ذلك حاصل لهم فهم منصورون بالحجة على من خالفهم تارة وقد نصرهم الله بالقهر على من عاداهم وأهلك أعداءهم بالانتقام منهم كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل فإنه قتل به سبعين ألفاً ‏{‏ويوم يقوم الأشهاد‏}‏ يعني وننصرهم يوم القيامة يوم يقوم الأشهاد وهم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب ‏{‏يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم‏}‏ أي إن اعتذروا عن كفرهم لم يقبل منهم ‏{‏ولهم اللعنة‏}‏ أي البعد من الرحمة ‏{‏ولهم سوء الدار‏}‏ يعني جهنم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 57‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ‏(‏53‏)‏ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏54‏)‏ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ‏(‏55‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏56‏)‏ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

‏{‏ولقد آتينا موسى الهدى‏}‏ يعني النبوة وقيل التوراة ‏{‏وأورثنا بني إسرائيل الكتاب‏}‏ يعني التوراة وقيل سائر الكتب المنزلة على أنبيائهم ‏{‏هدى وذكرى لأولي الألباب‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاصبر‏}‏ أي يا محمد على أذاهم ‏{‏إن وعد الله حق‏}‏ أي في إظهار دينك وإهلاك أعدائك قال الكلبي نسخت آية القتال آية الصبر ‏{‏واستغفر لذنبك‏}‏ يعني الصغائر وهذا على قول من يجوزها على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل يعني على ترك الأولى والأفضل وقيل على ما صدر منه قبل النبوة وعند من لا يجوز الصغائر على الأنبياء يقول هذا تعبد من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليزيده درجة ولتصير سنة لغيره من بعده وذلك لأن مجامع الطاعات محصورة في قسمين التوبة عما لا ينبغي، والاشتغال بما ينبغي والأول مقدم وهو التوبة من الذنوب والثاني الاشتغال بالطاعات وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وسبح بحمد ربك‏}‏ أي نزه ربك عما لا يليق بجلاله وقيل صل شاكراً لربك ‏{‏بالعشي والإبكار‏}‏ يعني صلاة العصر وصلاة الفجر وقال ابن عباس الصلوات الخمس ‏{‏إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم‏}‏ يعني كفار قريش ‏{‏إن في صدورهم‏}‏ يعني ما في قلوبهم ‏{‏إلا كبر‏}‏ قال ابن عباس ما حملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والعظمة ‏{‏ما هم ببالغيه‏}‏ يعني ببالغي مقتضى ذلك الكبر وقيل معناه إن في صدورهم إلا كبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك وقيل نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سطانه البر والبحر ويرد الملك إلينا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فاستعذ بالله‏}‏ أي من فتنة الدجال ‏{‏إنه هو السميع‏}‏ يعني لأقوالهم ‏{‏البصير‏}‏ يعني بأفعالهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لخلق السموات والأرض‏}‏ يعني مع عظمهما ‏{‏أكبر من خلق الناس‏}‏ أي من إعادتهم بعد الموت والمعنى أنهم مقرون أن الله تعالى خلق السموات والأرض وذلك أعظم في الصدور من خلق الناس فكيف لا يقرون بالبعث بعد الموت ‏{‏ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏}‏ يعني أن الكفار لا يعلمون حيث لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها، وقال قوم معنى أكبر من خلق الناس أي أعظم من خلق الدجال ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعني اليهود الذين يخاصمون في أمر الدجال‏.‏

‏(‏فصل في ذكر الدجال‏)‏

‏(‏م‏)‏ عن هشام بن عروة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال» معناه أكبر فتنة وأعظم شوكة من الدجال ‏(‏ق‏)‏ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما

«أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال فقال إنه أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافئة» ولأبي داود والترمذي عنه قال «قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذر نوح قومه ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور» ‏(‏ق‏)‏ عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من نبي إلا وقد أنذر قومه الأعور الكذاب ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر» وفي رواية لمسلم «بين عينيه كافر ثم تهجى ك ف ر ويقرؤه كل مسلم» عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فذكر الدجال، فقال إن بين يديه ثلاث سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض‏.‏

والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها‏.‏ والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ضرس من البهائم إلا هلكت ومن أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي فيقول‏:‏ أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أني ربك قال‏:‏ فيقول‏:‏ بلى، فيتمثل الشيطان نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعاً وأعظمه أسنمة ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول‏:‏ أرأيت إن أحييت لك أخاك وأباك ألست تعلم أني ربك فيقول بلى فيتمثل له الشيطان نحو أخيه ونحو أبيه قالت‏:‏ ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغمّ مما حدثهم قالت وأخذ بلحمتي الباب فقال مهيم أسماء فقلت‏:‏ يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال قال‏:‏ إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن، قالت أسماء‏:‏ فقلت يا رسول الله والله إنا لنعجن عجيناً فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ، قال‏:‏ يجزيهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس» وفي رواية عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم «يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة في النار» هذا حديث أخرجه البغوي بسنده والذي جاء في صحيح مسلم قال «قلنا يا رسول الله ما لبثه في الأرض قال أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم هذه قلنا يا رسول الله فذاك اليوم الذي كسنة أتكفينا له صلاة يوم قال لا أقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما إسراعه في الأرض قال كالغيث استذرته الريح»

وفي رواية أبي داود عنه «فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته وفيه ثم ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله» ‏(‏ق‏)‏ عن حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن مع الدجال إذا خرج ماء وناراً، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد والذي يرى الناس أنه ماء فنار محرقة فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنه نار فإنه ماء عذب بارد» ‏(‏ق‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة ولنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه» ‏(‏ق‏)‏ «عن المغيرة بن شعبة قال» ما سأل أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال ما سألته وإنه قال لي ما يضرك قلت إنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء قال هو أهون على الله من ذلك «عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» من سمع بالدجال فلينأ منه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به الشبهات أو قال لما يبعث به من الشبهات «أخرجه أبو داود ‏(‏ق‏)‏ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس نقب من نقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها فينزل السبخة ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق «‏(‏م‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى ينزل دبر أحد ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهناك يهلك «عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» الدجال يخرج بأرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة «أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب ‏(‏م‏)‏‏.‏ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة «عن مجمع بن جارية الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول» يقتل ابن مريم الدجال بباب لد «أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح‏.‏ قال الشيخ محيي الدين النووي‏:‏ قال القاضي عياض هذه الأحاديث التي وردت في قصة الدجال حجة للمذهب الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله تعالى به عباده فأقدره على أشياء من المقدورات من إحياء الميت الذي يقتله ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه وجنته وناره وإتباع كنوز الأرض له وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت ويقع كل ذلك بقدرة الله تعالى وفتنته ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره ويبطل أمره ويقتله عيسى ابن مريم عليه السلام ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء خلافاً لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وخلافاً للجبائي المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود ولكن الأشياء التي يأتي بها زعموا أنها مخاريق وخيالات لا حقائق لها وزعموا أنها لو كانت حقاً لضاهت معجزات الأنبياء وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له وإنما يدعي الربوبية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه ولهذه الدلائل لا يغتر به إلا عوام من الناس لشدة الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو خوفاً من فتنته لأن فتنته عظيمة جداً تدهش العقول وتحير الألباب ولهذا حذرت الأنبياء من فتنته فأما أهل التوفيق فلا يغترون به ولا يخدعون بما معه لما سبق من العلم بحاله ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه ما ازددت فيك إلا بصيرة قوله

تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 60‏]‏

‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ‏(‏58‏)‏ إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏59‏)‏ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وما يستوي الأعمى والبصير‏}‏ أي الجاهل والعالم ‏{‏والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء‏}‏ أي لا يستوون ‏{‏قليلاً ما تتذكرون إن الساعة‏}‏ يعني القيامة ‏{‏لآتية لا ريب فيها‏}‏ أي لا شك في قيامها ومجيئها ‏{‏ولكن أكثر الناس لا يؤمنون‏}‏ أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال ربكم ادعوني أستجب لكم‏}‏ أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر «الدعاء هو العبادة ثم قرأ ‏{‏وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين‏}‏» أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لم يسأل الله يغضب عليه» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب عن أنس بن مالك قال «الدعاء مخ العبادة» أخرجه الترمذي وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب؛ فإن قلت كيف قال ادعوني أستجب لكم وقد يدعو الإنسان كثيراً فلا يستجاب له، قلت الدعاء له شروط منها الإخلاص في الدعاء وأن لا يدعو وقلبه لاه مشغول بغير الدعاء وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة للإنسان وأن لا يكون فيه قطيعة رحم فإذا كان الدعاء بهذه الشروط كان حقيقاً بالإجابة فإما أن يعجلها له وإما أن يؤخرها له يدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من رجل يدعو الله تعالى بدعاء إلا استجيب له فإما أن يعجل له به في الدنيا وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل قال يقول دعوت ربي فما استجاب لي» أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وقيل الدعاء هو الذكر والسؤال ‏{‏إن الذين يستكبرون عن عبادتي‏}‏ أي عن توحيدي وقيل دعائي ‏{‏سيدخلون جهنم داخرين‏}‏ أي صاغرين ذليلين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 69‏]‏

‏{‏اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏61‏)‏ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ‏(‏62‏)‏ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ‏(‏63‏)‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏64‏)‏ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏65‏)‏ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏66‏)‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏67‏)‏ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏68‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه‏}‏ أي لتحصل لكم الراحة فيه بسبب النوم والسكون ‏{‏والنهار مبصراً‏}‏ أي لتحصل لكم فيه مكنة التصرف في حوائجكم ومهماتكم ‏{‏إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم‏}‏ أي ذلكم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم ‏{‏خالق كل شيء لا إله إلا هو‏}‏ أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق الأشياء كلها وأنه لا شريك له في ذلك ‏{‏فأنى تؤفكون‏}‏ أي فأنى تصرفون عن الحق ‏{‏كذلك‏}‏ أي كما أفكنتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك ‏{‏يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قراراً‏}‏ أي فراشاً لتستقروا عليها وقيل منزلاً في حال الحياة وبعد الموت ‏{‏والسماء بناء‏}‏ أي سقفاً مرفوعاً كالقبة ‏{‏وصوركم فأحسن صوركم‏}‏ أي خلقكم فأحسن خلقكم قال ابن عباس خلق ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه ‏{‏ورزقكم من الطيبات‏}‏ قيل هو ما خلق الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب ‏{‏ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي‏}‏ وهذا يفيد الحصر أي لا حي إلا هو فوجب أن يحمل ذلك على الذي يمتنع أن يموت امتناعاً تاماً ثابتاً وهو الله تعالى الذي لا يوصف بالحياة الكاملة إلا هو، والحي هو المدرك الفعال لما يريد وهذه إشارة إلى العلم التام والقدرة التامة ولما نبه على هذه الصفات نبه على كمال الوحدانية بقوله ‏{‏لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين‏}‏ أي فادعوه واحمدوه، قال ابن عباس من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين ‏{‏قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين‏}‏ وذلك حين دعي إلى الكفر أمره الله تعالى أن يقول ذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي خلقكم من تراب‏}‏ يعني أصلكم آدم وقيل يحتمل أن كل إنسان خلق من تراب لأنه خلق من النطفة وهي من الأغذية والأغذية من النبات والنبات من التراب ‏{‏ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً‏}‏ يعني أن مراتب الإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاث الطفولية وهي حالة النمو والزيادة إلى أن يبلغ كمال الأشد من غير ضعف ثم يتناقص بعد ذلك وهي الشيوخة ‏{‏ومنكم من يتوفى من قبل‏}‏ أي من قبل أن يصير شيخاً ‏{‏ولتبلغوا‏}‏ أي جميعاً ‏{‏أجلاً مسمى‏}‏ أي وقتاً محدود لا تجاوزونه يعني أجل الحياة إلى الموت ‏{‏ولعلكم تعقلون‏}‏ أي ما في هذه الأحوال العجيبة من القدرة الباهرة الدالة على توحيده وقدرته ‏{‏هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون‏}‏ أي يكونه من غير كلفة ولا معاناة ولا تعب وكل ذلك من كمال قدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة على قدرته كأنه قال من الاقتدار إذا قضى أمراً كان أهون شيء وأسرعه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله‏}‏ يعني القرآن ‏{‏أنى يصرفون‏}‏ أي عن دين الحق وقيل نزلت في القدرية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 78‏]‏

‏{‏الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏70‏)‏ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ‏(‏71‏)‏ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ‏(‏72‏)‏ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ‏(‏73‏)‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ‏(‏74‏)‏ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ‏(‏75‏)‏ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ‏(‏76‏)‏ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ‏(‏77‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ‏(‏78‏)‏‏}‏

‏{‏الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون‏}‏ فيه وعيد وتهديد ثم وصف ما أوعدهم به فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون‏}‏ يعني يجرون بتلك السلاسل ‏{‏في الحميم ثم في النار يسجرون‏}‏ يعني توقد بهم النار ‏{‏ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله‏}‏ يعني الأصنام ‏{‏قالوا ضلوا عنا‏}‏ أي فقدناهم فلم نرهم ‏{‏بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً‏}‏ قيل إنهم أنكروا عبادتها، وقيل لم نكن ندعوا شيئاً ينفع ويضر، وقيل ضاعت عبادتنا لها فكأنا لم نكن ندعو من قبل شيئاً ‏{‏كذلك يضل الله الكافرين‏}‏ أي كما أضل هؤلاء ‏{‏ذلكم‏}‏ أي العذاب الذي نزل بكم ‏{‏بما كنتم تفرحون‏}‏ أي تبطرون وتأشرون ‏{‏في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون‏}‏ أي تختالون وتفرحون به ‏{‏ادخلوا أبواب جهنم‏}‏ يعني السبعة ‏{‏خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين‏}‏ يعني عن الإيمان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاصبر إن وعد الله حق‏}‏ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي بنصرك على الأعداء ‏{‏فإما نرينك بعض الذي نعدهم‏}‏ أي من العذاب في حياتك ‏{‏أو نتوفينك‏}‏ أي قبل أن يحل ذلك بهم ‏{‏فإلينا يرجعون ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك‏}‏ أي خبره وحاله في القرآن ‏{‏ومنهم من لم نقصص عليك‏}‏ أي لم نذكر لك حال الباقين منهم وليس منهم أحد إلا أعطاه الله تعالى آيات ومعجزات، وقد جادله قومه وكذبوه فيها وما جرى عليهم يقارب ما جرى عليك فصبروا وهذا تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم ‏{‏وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله‏}‏ يعني بأمره وإرادته ‏{‏فإذا جاء أمر الله‏}‏ أي قضاؤه بين الأنبياء والأمم ‏{‏قضي بالحق‏}‏ يعني بالعدل ‏{‏وخسر هنالك المبطلون‏}‏ يعني الذين يجادلون في آيات الله بغير حق وفيه وعيد وتهديد لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏79- 85‏]‏

‏{‏اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏79‏)‏ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ‏(‏80‏)‏ وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ‏(‏81‏)‏ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏82‏)‏ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏83‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ‏(‏84‏)‏ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ‏(‏85‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع‏}‏ أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها ‏{‏ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم‏}‏ أي تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد في أسفاركم وحاجاتكم ‏{‏وعليها وعلى الفلك تحملون‏}‏ أي على الإبل في البر وعلى السفن في البحر ‏{‏ويريكم آياته‏}‏ أي دلائل قدرته ‏{‏فأي آيات الله تنكرون‏}‏ يعني أن هذه الآيات التي ذكرها ظاهرة باهرة فليس شيء منها يمكن إنكاره‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض‏}‏ يعني مصانعهم وقصورهم والمعنى لو سار هؤلاء في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة هؤلاء المنكرين المتمردين الهلاك والبوار مع أنهم كانوا أكثر عدداً وأموالاً من هؤلاء ‏{‏فما أغنى عنهم‏}‏ أي لم ينفعهم ‏{‏ما كانوا يكسبون‏}‏ أي أي شيء أغنى عنهم كسبهم ‏{‏فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا‏}‏ أي رضوا ‏{‏بما عندهم من العلم‏}‏ قيل هو قولهم لن نبعث ولن نعذب وقيل هو علمهم بأحوال الدنيا سمي ذلك علماً على ما يدعونه ويزعمونه وهو في الحقيقة جهل ‏{‏وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلما رأوا بأسنا‏}‏ أي عذابنا ‏{‏قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين‏}‏ أي تبرأنا مما كنا نعدل بالله ‏{‏فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده‏}‏ يعني أن سنة الله قد جرت في الأمم الخالية بعدم قبول الإيمان عند معاينة البأس وهو العذاب يعني بتلك السنة أنهم إذا رأوا العذاب آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب ‏{‏وخسر هنالك الكافرون‏}‏ يعني بذهاب الدارين قيل الكافر خاسر في كل وقت ولكنه يتبين خسرانه إذا رأى العذاب والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه‏.‏

سورة فصلت

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ‏(‏2‏)‏ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏3‏)‏ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏4‏)‏ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ‏(‏5‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ‏(‏6‏)‏ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته‏}‏ أي بينت وميزت وجعلت معاني مختلفة من أحكام وأمثال ومواعظ ووعد ووعيد ‏{‏قرآناً عربياً‏}‏ أي باللسان العربي ‏{‏لقوم يعلمون‏}‏ أي إنما أنزلناه على العرب بلغتهم ليفهموا منه والمراد ولو كان بغير لسانهم ما فهموه ‏{‏بشيراً ونذيراً‏}‏ نعتان للقرآن أي بشيراً لأولياء الله بالثواب ونذيراً لأعدائه بالعقاب ‏{‏فأعرض أكثرهم‏}‏ أي عنه ‏{‏فهم لا يسمعون‏}‏ أي لا يصغون إليه تكبراً ‏{‏وقالوا‏}‏ يعني مشركي مكة ‏{‏قلوبنا في أكنة‏}‏ أي أغطية ‏{‏مما تدعونا إليه‏}‏ أي فلا نفقه ما تقول ‏{‏وفي آذاننا وقر‏}‏ أي صمم فلا نسمع ما تقول والمعنى أنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع ‏{‏ومن بيننا وبينك حجاب‏}‏ أي خلاف في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول ‏{‏فاعمل‏}‏ أي أنت على دينك ‏{‏إننا عاملون‏}‏ أي على ديننا ‏{‏قل‏}‏ يا محمد ‏{‏إنما أنا بشر مثلكم‏}‏ أي كواحد منكم ‏{‏يوحى إليّ‏}‏ أي لولا الوحي ما دعوتكم، قال الحسن‏:‏ علمه الله تعالى التواضع ‏{‏إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه‏}‏ أي توجهوا إليه بطاعته ولا تميلوا عن سبيله ‏{‏واستغفروه‏}‏ أي من ذنوبكم وشرككم ‏{‏وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لا يقولون لا إله إلا الله لأنها زكاة الأنفس، والمعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد‏.‏ وقيل‏:‏ لا يقرون بالزكاة المفروضة ولا يرون إتيانها واجباً يقال الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك، وقيل‏:‏ معناه لا ينفقون في طاعة الله ولا يتصدقون، وقيل‏:‏ لا يزكون أعمالهم ‏{‏وهم بالآخرة هم كافرون‏}‏ أي جاحدون بالبعث بعد الموت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 11‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏8‏)‏ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏9‏)‏ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ‏(‏10‏)‏ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ غير مقطوع، وقيل‏:‏ غير منقوص، وقيل‏:‏ غير ممنون عليهم به، وقيل‏:‏ غير محسوب‏.‏ قيل نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن العمل والطاعة يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه ‏(‏خ‏)‏ عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول «إذا كان العبد يعمل عملاً صالحاً فشغله عنه مرض أو سفر كتب الله تعالى له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم»‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قل أئنكم‏}‏ استفهام بمعنى الإنكار وذكر عنهم شيئين منكرين أحدهما الكفر بالله تعالى وهو قوله تعالى ‏{‏لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين‏}‏ وثانيهما ‏{‏وتجعلون له أنداداً‏}‏ إثبات الشركاء والأنداد له والمعنى كيف يجوز جعل هذه الأصنام الخسيسة أنداداً لله تعالى مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في يومين يعني الأحد والاثنين ‏{‏ذلك رب العالمين‏}‏ أي هو رب العالمين وخالقهم المستحق للعبادة لا الأصنام المنحوتة من الخشب والحجر ‏{‏وجعل فيها رواسي‏}‏ أي جبالاً ثوابت ‏{‏من فوقها‏}‏ أي من فوق الأرض ‏{‏وبارك فيها‏}‏ أي في الأرض بكثرة الخيرات الحاصلة فيها وهو ما خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار والثمار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه ‏{‏وقدر فيها أقواتها‏}‏ أي قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم وقيل قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة وقيل قدر البر لأهل قطر من الأرض والتمر لأهل قطر آخر والذرة لأهل قطر والسمك لأهل قطر وكذلك سائر الأقوات‏.‏

قيل إن الزراعة أكثر الحرف بركة لأن الله تعالى وضع الأقوات في الأرض قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام‏}‏ أي مع اليومين الأولين فخلق الأرض في يومين وقدر الأقوات في يومين وهما يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فصارت أربعة أيام رد الآخر على الأول في الذكر ‏{‏سواء للسائلين‏}‏ معناه سواء لمن سأل عن ذلك أي فهكذا الأمر سواء لا زيادة فيه ولا نقصان جواباً لمن سأل في كم خلقت الأرض والأقوات ‏{‏ثم استوى إلى السماء‏}‏ أي عمد إلى خلق السماء ‏{‏وهي دخان‏}‏ ذلك الدخان كان بخار الماء، قيل كان العرش قبل خلق السموات والأرض على الماء فلما أراد الله تعالى أن يخلق السموات والأرض أمر الريح فضربت الماء فارتفع منه بخار كالدخان فخلق منه السماء ثم أيبس الماء فخلقه أرضاً واحدة ثم فتقها فجعلها سبعاً‏.‏

فإن قلت هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل خلق السماء وقوله ‏{‏والأرض بعد ذلك دحاها‏}‏ مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء فكيف الجمع بينهما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏

‏{‏فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏12‏)‏ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ‏(‏13‏)‏ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقضاهن سبع سموات‏}‏ أي أتمهن وفرغ من خلقهن ‏{‏في يومين‏}‏ وهما الخميس والجمعة ‏{‏وأوحى في كل سماء أمرها‏}‏ قال ابن عباس خلق في كل سماء خلقاً من الملائكة وخلق ما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله تعالى وقيل أوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي ‏{‏وزينا السماء الدنيا‏}‏ أي التي تلي الأرض ‏{‏بمصابيح‏}‏ أي بكواكب تشرق كالمصابيح ‏{‏وحفظاً‏}‏ أي وجعلناها يعني الكواكب حفظاً للسماء من الشياطين الذين يسترقون السمع ‏{‏ذلك‏}‏ أي الذي ذكر من صنعه وخلقه ‏{‏تقدير العزيز‏}‏ أي في ملكه ‏{‏العليم‏}‏ أي بخلقه وفيه إشارة إلى كمال القدرة والعلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن أعرضوا‏}‏ يعني هؤلاء المشركين عن الإيمان بعد هذا البيان ‏{‏فقل أنذرتكم‏}‏ أي خوفتكم ‏{‏صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود‏}‏ أي هلاكاً مثل هلاكهم والصاعقة المهلكة من كل شيء ‏{‏إذ جاءتهم الرسل‏}‏ يعني إلى عاد وثمود ‏{‏من بين أيديهم‏}‏ يعني الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم ‏{‏ومن خلفهم‏}‏ يعني ومن بعد الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم وهم الرسل الذين أرسلوا إليهم وهما هود وصالح وإنما خص هاتين القبيلتين لأن قريشاً كانوا يمرون على بلادهم ‏{‏أن لا‏}‏ أي بأن لا ‏{‏تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة‏}‏ يعني لو شاء ربنا دعوة الخلق لأنزل ملائكة بدل هؤلاء الرسل ‏{‏فإنا بما أرسلتم به كافرون‏}‏ روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ «قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فأتاه فكلمه ثم أتينا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة‏:‏ والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر وعلمت من ذلك علماً وما يخفى عليّ إن كان كذلك، فأتاه فلما خرج إليه قال‏:‏ يا محمد أنت خير أم هاشم أنت خير أم عبد المطلب أنت خير أم عبد الله فيم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فإن كان ما بك للرياسة عقدنا لك ألويتنا فكنت رئيساً ما بقيت وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن من أي بنات قريش وإن كان بك المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم فلما فرغ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته‏}‏ إلى قوله تعالى ‏{‏فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود‏}‏ فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم فقال أبو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فقال أبو جهل‏:‏ والله يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك طعامه فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم لا يكلم محمداً أبداً وقال‏:‏ والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى ‏{‏فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود‏}‏ فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب» وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ حدثت أن عتبة بن ربيعة كان سيداً حليماً قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل منا بعضها فنعطيه ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون قالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه وكلمه فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكانة في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت جماعتهم وسفهت أحلامهم وعيبت آلهتهم وكفرت من مضى من آبائهم فاستمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها فقال صلى الله عليه وسلم قل يا أبا الوليد فقال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا مالاً وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا وإن كان هذا الذي بك رئياً تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب أو لعل هذا شعر جاش به صدرك فنعذرك فإنكم لعمري بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا يقدر عليه أحد حتى إذا فرغ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أقد فرغت يا أبا الوليد‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ فاستمع مني، قال‏:‏ فافعل، فقال‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ‏(‏15‏)‏ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة‏}‏ وذلك أن هوداً هددهم بالعذاب فقالوا نحن نقدر على دفع العذاب عنا بفضل قوتنا وكانوا ذوي أجسام طوال قال الله تعالى رداً عليهم ‏{‏أولم يروا‏}‏ أي أو لم يعلموا ‏{‏أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً‏}‏ أي عاصفاً شديد الصوت وقيل هي الريح الباردة فقيل إن الريح ثمانية، فأربع منها عذاب وهي الريح الصرصر والعاصف والقاصف والعقيم وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات قيل أرسل عليهم من الريح على قدر خرق الخاتم فأهلكوا جميعاً ‏{‏في أيام نحسات‏}‏ أي نكدات مشؤومات ذات نحس وقيل ذات غبار وتراب ثائر لا يكاد يبصر فيه وقيل أمسك الله عز وجل عنهم المطر ثلاث سنين ودأبت عليهم الريح من غير مطر ‏{‏لنذيقهم عذاب الخزي‏}‏ أي عذاب الذل والهوان وذلك مقابل لقوله ‏{‏فاستكبروا في الأرض بغير الحق‏}‏ ‏{‏في الحياة الدنيا‏}‏ أي ذلك الذي نزل بهم من الخزي والهوان في الحياة الدنيا ‏{‏ولعذاب الآخرة أخزى‏}‏ أي أشد إهانة ‏{‏وهم لا ينصرون‏}‏ أي لا يمنعون من العذاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وأما ثمود فهديناهم‏}‏ قال ابن عباس بينا لهم سبيل الهدى وقيل دللناهم على الخير والشر ‏{‏فاستحبوا العمى على الهدى‏}‏ أي اختاروا الكفر على الإيمان ‏{‏فأخذتهم صاعقة العذاب الهون‏}‏ أي ذي الهوان ‏{‏بما كانوا يكسبون‏}‏ أي من الشرك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 24‏]‏

‏{‏وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ‏(‏18‏)‏ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ‏(‏19‏)‏ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏20‏)‏ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏21‏)‏ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏22‏)‏ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏23‏)‏ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون‏}‏ أي يتقون الشرك والأعمال الخبيثة وهم صالح ومن آمن معه من قومه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون‏}‏ أي يساقون ويدفعون وقيل يحبس أولهم حتى يلحق آخرهم ‏{‏حتى إذا ما جاؤوها‏}‏ يعني النار ‏{‏شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم‏}‏ أي بشراتهم وقيل فروجهم ‏{‏بما كانوا يعملون‏}‏ معناه أن الجوارح تنطق بما كتمت الألسن من عملهم ‏(‏م‏)‏ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال‏:‏ هل تدرون مم أضحك قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه عز وجل يقول يا رب ألم تجرني من الظلم، قال فيقول بلى فيقول فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا شاهداً مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً وبالكرام الكاتبين عليك شهوداً قال فيختم على فيه ويقال لأعضائه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل» ‏{‏وقالوا‏}‏ يعني الكفار الذين يجرون إلى النار ‏{‏لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء‏}‏ معناه أن القادر الذي خلقكم أول مرة في الدنيا وأنطقكم ثم أعادكم بعد الموت قادر على إنطاق الأعضاء والجوارح وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون‏}‏ وقيل تم الكلام عند قوله ‏{‏الذي أنطق كل شيء‏}‏ ثم ابتدأ بقوله ‏{‏وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون‏}‏ وقيل إنه ليس من جواب الجلود ‏{‏وما كنتم تستترون‏}‏ أي تستخفون وقيل معناه تظنون ‏{‏أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم‏}‏ والمعنى أنكم لا تقدرون على الاستخفاء من جوارحكم ولا تظنون أنها تشهد عليكم ‏{‏ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كان الكفار يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه يعلم ما يظهر ‏(‏ق‏)‏‏.‏ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال «اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال أحدهم أترون أن الله تعالى يسمع ما نقول قال الآخر يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون‏}‏ قيل الثقفي هو عبد ياليل وختناه القرشيان ربيعة وصفوان بن أمية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم‏}‏ أي ظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ‏{‏أرداكم‏}‏ أي أهلككم قال ابن عباس طرحكم في النار ‏{‏فأصبحتم من الخاسرين‏}‏ ثم أخبر عن حالهم بقوله بقوله تعالى ‏{‏فإن يصبروا فالنار مثوى لهم‏}‏ أي مسكن ‏{‏وإن يستعتبوا‏}‏ أي يسترضوا ويطلبوا العتبى والمعتب هو الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما سأل ‏{‏فما هم من المعتبين‏}‏ أي المرضيين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 29‏]‏

‏{‏وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ‏(‏25‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ‏(‏26‏)‏ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏27‏)‏ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ‏(‏28‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏وقيضنا لهم‏}‏ أي بعثنا ووكلنا وقيل هيأنا لهم وسببنا لهم ‏{‏قرناء‏}‏ أي نظراء من الشياطين حتى أضلوهم ‏{‏فزينوا لهم ما بين أيديهم‏}‏ أي من أمر الدنيا حتى آثروهم على الآخرة ‏{‏وما خلفهم‏}‏ أي فدعوهم إلى التكذيب بالآخرة وإنكار البعث وقيل حسنوا لهم أعمالهم القبيحة الماضية والمستقبلة ‏{‏وحق عليهم القول‏}‏ أي وجب ‏{‏في أمم‏}‏ أي مع أمم ‏{‏قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الذين كفروا‏}‏ يعني مشركي قريش ‏{‏لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ والغطوا فيه من اللغط وهو كثرة الأصوات كان بعضهم يوصي إلى بعض إذا رأيتم محمداً يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر وقيل أكثروا الكلام حتى يتخلط عليه ما يقول وقيل والغوا فيه بالمكاء والصغير وقيل صيحوا في وجهه ‏{‏لعلكم تغلبون‏}‏ يعني محمداً على قراءته ‏{‏فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً ولنجزينهم أسوأ‏}‏ يعني بأسوأ ‏{‏الذي كانوا يعملون‏}‏ أي في الدنيا وهو الشرك ‏{‏ذلك‏}‏ أي الذي ذكر من العذاب ‏{‏جزاء أعداء الله‏}‏ ثم بين ذلك الجزاء فقال ‏{‏النار لهم فيها دار الخلد‏}‏ أي دار الإقامة لا انتقال لهم عنها ‏{‏جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون وقال الذين كفروا‏}‏ أي في النار ‏{‏ربنا‏}‏ أي يقولون يا ربنا ‏{‏أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس‏}‏ يعنون إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنَّا المعصية ‏{‏نجعلهما تحت أقدامنا‏}‏ أي في النار ‏{‏ليكونا من الأسفلين‏}‏ أي في الدرك الأصفل من النار وقال ابن عباس‏:‏ ليكونا أشد عذاب منا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ‏(‏30‏)‏ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ‏(‏31‏)‏ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ‏(‏32‏)‏ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا‏}‏ قال أهل التحقيق كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته لأجل العمل به، ورأس المعرفة اليقينية معرفة الله تعالى وإليه الإشارة بقوله ‏{‏إن الذين قالوا ربنا الله‏}‏ ورأس الأعمال الصالحة أن يكون الإنسان مستقيماً في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط فتكون الاستقامة في أمر الدين والتوحيد فتكون في الأعمال الصالحة‏.‏ سئل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة فقال‏:‏ أن لا تشرك بالله شيئاً وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب‏.‏

وقال عثمان رضي الله تعالى عنه‏:‏ استقاموا أخلصوا في العمل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ أدوا الفرائض، وهو قول ابن عباس‏.‏ وقيل استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه، وقيل‏:‏ استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله وكان الحسن إذا تلا هذه الآية قال اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة ‏{‏تتنزل عليهم الملائكة‏}‏ قال ابن عباس عند الموت وقيل إذا قاموا من قبورهم وقيل البشرى تكون في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث ‏{‏أن لا تخافوا‏}‏ أي من الموت وقيل لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة ‏{‏ولا تحزنوا‏}‏ أي على ما خلفتم من أهل وولد فإنا نخلفكم في ذلك كله وقيل لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فأنا أغفرها لكم ‏{‏وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم‏}‏ أي تقول الملائكة عند نزولهم بالبشرى نحن أولياؤكم أي أنصاركم وأحباؤكم وقيل تقول لهم الحفظة نحن كنا معكم ‏{‏في الحياة الدنيا و‏}‏ نحن أولياؤكم ‏{‏في الآخرة‏}‏ لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة ‏{‏ولكم فيها‏}‏ أي في الجنة ‏{‏ما تشتهي أنفسكم‏}‏ أي من الكرامات واللذات ‏{‏ولكم فيها ما تدعون‏}‏ أي تتمنون ‏{‏نزلاً‏}‏ أي رزقاً والنزل رزق النزيل والنزيل هو الضيف ‏{‏من غفور رحيم‏}‏ قال أهل المعاني كل هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية جارية مجرى النزل والكريم إذا أعطى هذا النزل فما ظنك بما بعده من الألطاف والكرامة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله‏}‏ أي إلى طاعة الله تعالى وقيل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل‏:‏ هو المؤمن أجاب الله تعالى فيما دعاه إليه ودعا الناس إلى ما أجاب إليه ‏{‏وعمل صالحاً‏}‏ في إجابته وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها‏:‏ أرى أن هذه الآية نزلت في المؤذنين وقيل إن كل من دعا إلى الله تعالى بطريق من الطرق فهو داخل في هذه الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 38‏]‏

‏{‏وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ‏(‏34‏)‏ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ‏(‏35‏)‏ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏36‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏37‏)‏ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏ولا تستوي الحسنة ولا السيئة‏}‏ يعني الصبر والغضب والحلم والجهل والعفو والإساءة ‏{‏ادفع بالتي هي أحسن‏}‏ قال ابن عباس أمره بالصبر عند الغضب وبالحلم عند الجهل وبالعفو عند الإساءة ‏{‏فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم‏}‏ أي صديق قريب، قيل نزلت في أبي سفيان بن حرب وذلك حيث لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فصار ولياً بالإسلام حميماً بالقرابة ‏{‏وما يلقاها‏}‏ أي وما يلقى هذه الخصلة والفعلة وهي دفع السيئة بالحسنة ‏{‏إلا الذين صبروا‏}‏ أي على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ وترك الانتقام وما يلقاها ‏{‏إلا ذو حظ عظيم‏}‏ أي من الخير والثواب وقيل الحظ العظيم الجنة يعني ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة ‏{‏وإما ينزغنك من الشيطان نزغ‏}‏ النزغ شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه أي يبعثه إلى ما لا ينبغي ومعنى الآية وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ‏{‏فاستعذ بالله‏}‏ أي من شره ‏{‏إنه هو السميع‏}‏ أي لاستعاذتك ‏{‏العليم‏}‏ بأحوالك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن آياته‏}‏ أي ومن دلائل قدرته وحكمته الدالة على وحدانيته ‏{‏الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر‏}‏ أي إنهما مخلوقان مسخران فلا ينبغي السجود لهما لأن السجود عبارة عن نهاية التعظيم ‏{‏واسجدوا لله الذي خلقهن‏}‏ أي المستحق للسجود والتعظيم هو الله خالق الليل والنهار والشمس والقمر ‏{‏إن كنتم إياه تعبدون‏}‏ يعني أن ناساً كانوا يسجدون للشمس والقمر والكواكب ويزعمون أن سجودهم لهذه الكواكب هو سجود لله عز وجل فنهوا عن السجود لهذه الوسايط وأمروا بالسجود لله الذي خلق هذه الأشياء كلها ‏{‏فإن استكبروا‏}‏ أي عن السجود لله ‏{‏فالذين عند ربك‏}‏ يعني الملائكة ‏{‏يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون‏}‏ أي لا يفترون ولا يملون‏.‏

‏(‏فصل‏)‏

وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة وفي موضع السجود فيها قولان للعلماء وهما وجهان لأصحاب الشافعي أحدهما أنه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن كنتم إياه تعبدون‏}‏ وهو قول ابن مسعود والحسن وحكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد لأن ذكر السجدة قبله والثاني وهو الأصح عند أصحاب الشافعي وكذلك نقله الرافعي أنه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهم لا يسأمون‏}‏ وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وقتادة وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة لأن عنده يتم الكلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 43‏]‏

‏{‏وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏39‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏40‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ‏(‏41‏)‏ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ‏(‏42‏)‏ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين يلحدون‏}‏ أي يميلون عن الحق ‏{‏في آياتنا‏}‏ أي في أدلتنا قيل بالمكاء والتصدية واللغو واللغط وقيل يكذبون بآياتنا ويعاندون ويشاقون ‏{‏لا يخفون علينا‏}‏ تهديد ووعيد قيل نزلت في أبي جهل ‏{‏أفمن يلقى في النار‏}‏ هو أبو جهل ‏{‏خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة‏}‏ المعنى الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار والذين يؤمنون بآياتنا آمنون يوم القيامة قيل هو حمزة وقيل عثمان وقيل عمار بن ياسر ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏ أمر تهديد ووعيد ‏{‏إنه بما تعملون بصير‏}‏ أي إنه عالم بأعمالكم فيجازيكم عليها ‏{‏إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم‏}‏ يعني القرآن وفي جواب إن وجهان أحدهما أنه محذوف تقديره إن الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم، والثاني جوابه أولئك ينادون من مكان بعيد ثم أخذ في وصف الذكر فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإنه لكتاب عزيز‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ كريم على الله تعالى، وقيل‏:‏ العزيز العديم النظير وذلك أن الخلق عجزوا عن معارضته وقيل أعزه الله بمعنى منعه فلا يجد الباطل إليه سبيلاً وهو قوله تعالى ‏{‏لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏}‏ قيل الباطل هو الشيطان فلا يستطيع أن يغيره وقيل إنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيأتيه الباطل من خلفه فعلى هذا يكون معنى الباطل الزيادة والنقصان وقيل لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يجيء بعده كتاب فيبطله وقيل معناه أن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات حتى يصل إليه وقيل‏:‏ لا يأتيه الباطل عما أخبر فيما تقدم من الزمان ولا فيما تأخر ‏{‏تنزيل من حكيم‏}‏ أي في جميع أفعاله ‏{‏حميد‏}‏ أي إلى جميع خلقه بسبب نعمه عليهم ثم عزى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم إياه فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏ما يقال لك‏}‏ أي من الأذى والتكذيب ‏{‏إلا ما قد قيل للرسل من قبلك‏}‏ يعني أنه قد قيل للأنبياء قبلك ساحر كما يقال لك وكذبوا كما كذبت ‏{‏إن ربك لذو مغفرة‏}‏ أي لمن تاب وآمن بك ‏{‏وذو عقاب أليم‏}‏ أي لمن أصر على التكذيب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 47‏]‏

‏{‏وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ‏(‏44‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ‏(‏45‏)‏ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏46‏)‏ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ‏(‏47‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولو جعلناه‏}‏ أي هذا الكتاب الذي تقرأه على الناس ‏{‏قرآناً أعجمياً‏}‏ يعني بغير لغة العرب ‏{‏لقالوا لولا فصلت آياته‏}‏ يعني هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها ‏{‏أأعجمي وعربي‏}‏ يعني أكتاب أعجمي ورسول عربي وهذا استفهام إنكار والمعنى لو نزل الكتاب بلغة العجم لقالوا كيف يكون المنزل عليه عربياً والمنزل أعجمياً، وقيل في معنى الآية‏:‏ أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا كيف أنزلنا الكلام العجمي إلى القوم العرب ولصح قولهم أن يقولوا قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه، وأنا لما أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب وهم يفهمونه فكيف يمكنهم أن يقولوا قلوبنا في أكنة وفي آذاننا وقر وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على يسار غلام عامر بن الحضرمي وكان يهودياً أعجمياً يكنى أبا فكيهة فقال المشركون إنما يعلمه يسار فضربه سيده وقال إنك تعلم محمداً فقال هو والله يعلمني فأنزل الله تعالى هذه الآية ‏{‏قل‏}‏ يا محمد ‏{‏هو‏}‏ يعني القرآن ‏{‏للذين آمنوا هدى‏}‏ يعني من الضلالة ‏{‏وشفاء‏}‏ يعني لما في القلوب من مرض الشرك والشك وقيل شفاء من الأوجاع والأسقام ‏{‏والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى‏}‏ يعني صموا عن استماع القرآن وعموا عنه فلا ينتفعون به ‏{‏أولئك ينادون من مكان بعيد‏}‏ يعني كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم كذلك هؤلاء في قلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون ‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه‏}‏ يعني فمصدق به ومكذب كما اختلف قومك في كتابك ‏{‏ولولا كلمة سبقت من ربك‏}‏ يعني في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن ‏{‏لقضي بينهم‏}‏ يعني لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم ‏{‏وإنهم لفي شك منه مريب‏}‏ يعني من كتابك وصدقك ‏{‏من عمل صالحاً فلنفسه‏}‏ يعني يعود نفع إيمانه وعمله لنفسه ‏{‏ومن أساء فعليها‏}‏ يعني ضرر إساءته أو كفره يعود على نفسه أيضاً ‏{‏وما ربك بظلام للعبيد‏}‏ يعني فيعذب غير المسيء‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إليه يرد علم الساعة‏}‏ يعني إذا سأل عنها سائل قيل له لا يعلم وقت قيام الساعة إلا الله تعالى ولا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك ‏{‏وما تخرج من ثمرات من أكمامها‏}‏ أي من أوعيتها، وقال ابن عباس‏:‏ هو الكفرى قبل أن ينشق ‏{‏وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه‏}‏ أي يعلم قدر أيام الحمل وساعاته ومتى يكون الوضع وذكر الحمل هو أم أنثى ومعنى الآية كما يرد إليه علم الساعة فكذلك يرد إليه علم ما يحدث من كل شيء كالثمار والنتاج وغيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏48- 53‏]‏

‏{‏وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ‏(‏48‏)‏ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ‏(‏49‏)‏ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ‏(‏50‏)‏ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ‏(‏51‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ‏(‏52‏)‏ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏53‏)‏‏}‏

‏{‏وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل‏}‏ أي يعبدون في الدنيا ‏{‏وظنوا ما لهم من محيص‏}‏ أي مهرب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يسأم الإنسان‏}‏ أي لا يمل الكافر ‏{‏من دعاء الخير‏}‏ يعني لا يزال يسأل ربه الخير وهو المال والغنى والصحة ‏{‏وإن مسه الشر‏}‏ أي الشدة والفقر ‏{‏فيؤوس‏}‏ أي من روح الله تعالى ‏{‏قنوط‏}‏ أي من رحمته ‏{‏ولئن أذقناه رحمة منا‏}‏ أي آتيناه خيراً وعافية وغنى ‏{‏من بعد ضراء مسته‏}‏ أي من بعد شدة وبلاء أصابه ‏{‏ليقولن هذا لي‏}‏ أي أستحقه بعملي ‏{‏وما أظن الساعة قائمة‏}‏ أي ولست على يقين من البعث ‏{‏ولئن رجعت إلى ربي‏}‏ يقول هذا الكافر أي فإن كان الأمر على ذلك ورددت إلى ربي ‏{‏إن لي عنده للحسنى‏}‏ أي الجنة والمعنى كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة ‏{‏فلننبئن الذين كفروا بما عملوا‏}‏ قال ابن عباس لنوقفنهم على مساوي أعمالهم ‏{‏ولنذيقنهم من عذاب غليظ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه‏}‏ أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم ‏{‏وإذا مسه الشر‏}‏ أي الشدة والفقر ‏{‏فذو دعاء عريض‏}‏ أي كثير ‏{‏قل‏}‏ أي قل يا محمد لكفار مكة ‏{‏أرأيتم إن كان من عند الله‏}‏ أي هذا القرآن ‏{‏ثم كفرتم به‏}‏ أي جحدتموه ‏{‏من أضل ممن هو في شقاق بعيد‏}‏ أي في خلاف للحق بعيد عنه والمعنى فلا أحد أضل منكم ‏{‏سنريهم آياتنا في الآفاق‏}‏ قال ابن عباس يعني منازل الأمم الخالية ‏{‏وفي أنفسهم‏}‏ أي البلاء والأمراض وقيل ما نزل بهم يوم بدر وقيل في الآفاق هو ما يفتح من القرى والبلاد على محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين وفي أنفسهم هو فتح مكة ‏{‏حتى يتبين لهم أنه الحق‏}‏ يعني دين الإسلام، وقيل يتبين القرآن أنه من عند الله وقيل يتبين لهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم مؤيد من قبل الله تعالى وقيل في الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأنهار والنبات وفي أنفسهم يعني من لطيف الحكمة وبديع الصنعة حتى يتبين لهم أنه الحق يعني لا يقدر على هذه الأشياء إلا الله تعالى‏:‏ ‏{‏أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد‏}‏ يعني يشهد أن القرآن من عند الله تعالى، وقيل أولم يكفهم الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله لهم على التوحيد وأنه شاهد لا يغيب عنه شيء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏54‏]‏

‏{‏أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ‏(‏54‏)‏‏}‏

‏{‏ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم‏}‏ أي في شك عظيم من القيامة ‏{‏ألا إنه بكل شيء محيط‏}‏ أي عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً والله أعلم بمراده وأسرار كتابه‏.‏

سورة الشورى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ عسق ‏(‏2‏)‏ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏حم عسق‏}‏ سئل الحسين بن الفضل لم قطع حروف حم عسق ولم يقطع حروف المص والمر وكهيعص، فقال‏:‏ لأنها بين سور أوائلها حم فجرت مجرى نظائرها فكان حم مبتدأ وعسق خبره لأن حم عسق عدت آيتين وعدت أخواتها التي لم تقطع آية واحدة‏.‏ وقيل لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف التهجي واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلاً فقال معناها حم الأمر أي قضى وبقي عسق على أصله‏.‏ وقال ابن عباس ح حلمه م مجده ع علمه س سناه ق قدرته أقسم الله عز وجل بها‏.‏ وقيل إن العين من العزيز والسين من قدوس والقاف من قاهر وقيل ح حرب في قريش يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز م ملك يتحول من قوم إلى قوم ع عدو لقريش يقصدهم س سنون كسني يوسف ق قدرة الله في خلقه، وقيل هذا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فالحاء حوضه المورود والميم ملكه الممدرد والعين عزه الموجود والسين سناؤه المشهود والقاف قيامه في المقام المحمود وقربه من الملك المعبود وقال ابن عباس ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق فلذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك‏}‏ وقيل معناه كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى الذين من قبلك ‏{‏الله العزيز‏}‏ في ملكه ‏{‏الحكيم‏}‏ في صنعه، والمعنى كأنه قيل من يوحي فقال الله العزيز الحكيم ثم وصف نفسه وسعة ملكه

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 7‏]‏

‏{‏لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ‏(‏4‏)‏ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏5‏)‏ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏6‏)‏ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم تكاد السموات يتفطرن من فوقهن‏}‏ أي من فوق الأرضين وقيل تنفطر كل واحدة فوق التي تليها من عظمة الله تعالى وقيل من قول المشركين اتخذ الله ولداً ‏{‏والملائكة يسبحون بحمد ربهم‏}‏ أي ينزهونه عما لا يليق بجلاله وقيل يصلون بأمر ربهم ‏{‏ويستغفرون لمن في الأرض‏}‏ أي من المؤمنين دون الكفار، لأن الكافر لا يستحق أن تستغفر له الملائكة، وقيل يحتمل أن يكون لجميع من في الأرض أما في حق الكافرين فبواسطة طلب الإيمان لهم ويحتمل أن يكون المراد من الاستغفار لا يعاجلهم بالعقاب وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، وقيل استغفارهم لمن في الأرض هو سؤال الرزق لهم فيدخل فيه المؤمن والكافر ‏{‏ألا إن الله هو الغفور الرحيم‏}‏ يعني أنه تعالى يعطي المغفرة التي سألوها ويضم إليها بمنه وكرمه الرحمة العامة الشاملة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين اتخذوا من دونه أولياء‏}‏ أي جعلوا له شركاء وأنداداً ‏{‏الله حفيظ عليهم‏}‏ يعني رقيب على أحوالهم وأعمالهم ‏{‏وما أنت عليهم بوكيل‏}‏ يعني لم توكل بهم حتى تؤخذ بهم إنما أنت نذير ‏{‏وكذلك‏}‏ أي ومثل ما ذكرنا ‏{‏أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى‏}‏ يعني مكة والمراد أهلها ‏{‏ومن حولها‏}‏ يعني قرى الأرض كلها ‏{‏وتنذر يوم الجمع‏}‏ أي وتنذرهم بيوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله سبحانه وتعالى فيه الأولين والآخرين وأهل السموات وأهل الأرضين ‏{‏لا ريب فيه‏}‏ أي لا شك في الجمع أنه كائن ثم بعد ذلك يتفرقون وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فريق في الجنة وفريق في السعير‏}‏ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضاً على كفه ومعه كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان قلنا لا يا رسول الله فقال للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة، ثم قال للذي في يساره هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة فقال عبد الله بن عمرو ففيم العمل إذاً‏؟‏ قال اعملوا وسددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل ثم قال فريق في الجنة وفريق في السعير عدل من الله تعالى» أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 11‏]‏

‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏8‏)‏ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏9‏)‏ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ‏(‏10‏)‏ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ على دين واحد وقيل على ملة الإسلام ‏{‏ولكن يدخل من يشاء في رحمته‏}‏ أي في دين الإسلام ‏{‏والظالمون‏}‏ أي الكافرون ‏{‏ما لهم من ولي‏}‏ أي يدفع عنهم العذاب ‏{‏ولا نصير‏}‏ أي يمنعهم من العذاب ‏{‏أم اتخذوا‏}‏ يعني الكفار ‏{‏من دونه أولياء فالله هو الولي‏}‏ قال ابن عباس هو وليك يا محمد وولي من تبعك ‏{‏وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير‏}‏ يعني أن من يكون بهذه الصفة فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً ومن لا يكون بهذه الصفة فليس بولي ‏{‏ما اختلفتم فيه من شيء‏}‏ أي من أمر الدين ‏{‏فحكمه إلى الله‏}‏ أي يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب وقيل علمه إلى الله وقيل تحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن حكمه من حكم الله تعالى ولا تؤثروا حكومة غيره على حكومته ‏{‏ذلكم الله‏}‏ يعني الذي يحكم بين المختلفين هو الله ‏{‏ربي عليه توكلت‏}‏ يعني في جميع أموري ‏{‏وإليه أنيب‏}‏ يعني وإليه أرجع في كل المهمات ‏{‏فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم‏}‏ يعني من جنسكم ‏{‏أزواجاً‏}‏ يعني حلائل، وإنما قال من أنفسكم لأن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم ‏{‏ومن الأنعام أزواجاً‏}‏ يعني أصنافاً ذكراناً وإناثاً ‏{‏يذرؤكم‏}‏ يعني يخلقكم وقيل يكثركم ‏{‏فيه‏}‏ يعني في الرحم وقيل في البطن لأنه قد تقدم ذكر الأزواج وقيل نسلاً بعد نسل حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل وقيل الضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطب من الناس والأنعام إلا أنه غلب جانب الناس وهم العقلاء على غير العقلاء من الأنعام، وقيل في بمعنى الباء أي يذرؤكم به أي يكثركم بالتزويج ‏{‏ليس كمثله شيء‏}‏ المثل صلة أي ليس كهو شيء وقيل الكاف صلة مجازه ليس مثله شيء، قال ابن عباس‏:‏ ليس له نظير‏.‏

فإن قلت هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وله المثل الأعلى في السموات والأرض‏}‏ يقتضي إثبات المثل فما الفرق‏.‏

قلت المثل الذي يكون مساوياً في بعض الصفات الخارجية على الماهية فقوله ليس كمثله شيء معناه ليس له نظير، كما قاله ابن عباس أو يكون معناه ليس لذاته سبحانه وتعالى مثل وقوله ‏{‏وله المثل الأعلى‏}‏ معناه وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد فقد ظهر بهذا التفسير معنى الآيتين وحصل الفرق بينهما ‏{‏وهو السميع‏}‏ يعني لسائر المسموعات ‏{‏البصير‏}‏ يعني المبصرات‏.‏